الثلاثاء، 3 يوليو 2012

أنادي خيمة تسكنني

خليل الوحدة الساقي ونديم سكرة عشق، عشيق الغربة الأوحد، غريب في نسمته وروحه، يعج فرحا فاق شهوة النصر، يأتيه المساء فترقص الملائكة في مداه، يسقيها فتسقيه ثم تنام على فيضه، أطفل الرب في متناها فأشركت في خلقته، تنام لعشقه الأبدان وتسكن لدعواه شواغب الوعيد
في صداك صار الوعيد عنبرا تستقيه الأنام
انام على وداعة ضجته فيطفو سيلا يترنم لحنا سجيا يتموج في الأعماق، يمتلئ فرحا ويحمل في لجاته نشوة السغب، سليل المكارم الخالدات، دائم النعم يوتيك منها ما تشاء ولا يطلب قداسا أو مذبحا، يبكي أشواقك ويرفع مدى العواتب إلى أفق تضيئه النجوم، سليل نشوة جامحة تكبر في اعماقك إلى لامنتهاها.
وتصغر في عيني كل الكبائر
تسكن في روحي بقايا الذكريات القديمة ويغفر هو لذكرها كل الخطايا
في وهجة روحه تستوي الذنوب كما الحسنات
ثلة المحسنات اكذوبة عجيبة، تهز ضالتي إلى اتقاء الجحيم، وحين يرفعني النغم إلى هواها، أقول للجحيم أن يقبل
تتموج روحي على أسيل نغمتك، وتستكن في مقامك كل الهزات المرعدة
يلمني وشاح رنة منك، نكهتها العجيبة تفتح في صدري نشوة الطلق، وتكبر إلى منتهاها، وكنت دوما في حضرتك يكبر فيي ألق الوجود،
آه يا ألق الحياة، كم يكفيني أن أعب من إكسير رقة الوتر،، ماتت في كنهي سدائم الكينونة: مات الله في أنساق المقام وانحنت للوجود اوتار أغنجا(1)، يطعم النفس من غير حساب، وحين تنتهي سريرة المنح، حين تصمت القصيدة، تشتعل في فواصل الصمت نبراته
انشعلت في لجته مقامة الخلق وأبدعت، فانحنت لصداها تجليات الوجود،
في الوحدة أغنجا
تملأ فراغي قرونه المتفرعة كرؤوس هيدرا، وتمضي إلى متناها الأحاديث الجميلة، كل الرؤوس ترد على بعضها فيكبر جلال الحضرة
تستوي في أوتاره تجليات الأشيائ القديمة، وفي صخب الرنين المترنم، تأتي أيضا راكعة كل التجليات الجديدة
تسدلني واهات العربي باطمة(2)، شجن قديم بلا شك، لكنه شجن الكينونة
يا إلهي حين يفترسني شجن الغربة
أشتاق لكأسي في صينية الغيوان(3)
ويأتيني الوتر بما اشتهته كأسي
"تانعياط، لشي خيمة تثيق بيا" ( انادي، خيمة تثق بي)
في الغربة، وحده أغنجا، خيمتي
لي فيه ثقة هوجاء
أسكنه فتسكنني خيمته وتتطاير في وحدتنا شظايا الندامة
في الوجود الآني، في خلقتي الآنية، وفي حضرة المولى هذا، تنتعش فيي كل تفاصيل الماضي، ويكبر فينا وهج الذكريات، آه لكل هذه الأشياء البالية، وهذا الروث الجميل للخصوبة حين يسقيه الندى
تبتغي فينا الصيرورة ذهونا معتقة لسيل الممشى. وحين تحضر في جلستنا كل هذه الخرافات الجميلة، وكل هذه الأساطير التي تحكيها الأمهات بنكهتها العجيبة، يكبر فيي وهج الحنين إلى تاغبالت الحزينة، إلى بلوطها الأخضر، وتتمدد في أعماقي جغرافية الوطن، وطن معتق بسمن الزمن وفواصل البعد والقرب ويتفوح في المقام عبق العبور إلى متاهات أخرى
إلى وطن آخر
إلى وطن غير الذي سكنته
آه لضلالي
لم أجد بعد خيمة تثق بي، واحتار في أمر الأمهات الساذجات: من أين يستنبضن نعومة اللحن في عجب الأسطورة لتكون شجن ذكريات الطفولة؟
ساحر السهرات كان الوتر، صاخب بأهازيجه، متبسم في محيا هذه المخلوقات التائهة، له كل أسمائها الحسنى، تسبح في وتره وترقص فيضا جميع المكنونات، له كل اهازيج الإعجاز ، تعجز الروح أن تلقي أسيل انسلالها في نغمته حين ينشد انشودة الوصل:
لو كان لي ألق الروح في عينيك
لتركت العالم
وبدأت أتزهد في هواك
لكن للأمور تداعيات أخرى تسحق وقاري، وتترنم في دواخلي طيور الأمسيات القديمة، خيمة في الصيف تنفث سكينة الخصب، في دفء الحفرة، كانت مدينة خنيفرة قد انبنت على أنغام وطرك، وسارت قبلة العشاق
(أوظيد، أوظيد اوظيد،
أوظيد أثاسنو
إسي ينغى ليقناظ إسوريد اورينو) ( أصلني، أصلني.. أصلني ياكبدي..
لأن القنط يقتلني وهذا قلبي يستنجد)
تنعشني تراتيل عشتاروت في قلب الأطلس، تاوسيدانت الجميلة(4) وتكبر في عيني كقهوة الصباح، يكبر في الأفق موج امتدادها
في صيحتها تنهض الأقدار لمقامها، ويبقى صداها لحنا تردده زقزقة الربيع في كل الفصول الأطلسية.


(1)أغنجا هو آلة مسيقية وترية عند الامازيغ وتعني أيضا المغرف
(2)هو رائد مجموعة ناس الغيوان المغربية الذي يملك صوتا شجيا حنونا وجميلا
(3)"الصينية" ليست شيئا من الصين وإن اختلس الإسم الامازيغي بالصين بسبب تعريبه، في الأصل تسمى "الصينيث"، هي إحدى اجمل الأغاني التي أدتها مجموعة ناس الغيوان، وتعني الصينية الصحن الذي يقدم فيه الشاي المغربي والقصيدة تتحدث حول غربة كأس فيها، قدمتها المجموعة في مسرح الدار البيضاء سنة 72 على شكل مسرحية غنائية وأضحت أسطورة غنائية فيما بعد
(4)مغنية امازيغية من الأطلس كانت تلقب بأم كلثوم الأطلس المتوسط

ليست هناك تعليقات: