الأحد، 6 فبراير 2011

يوميات مغارة الموت 1992

بعد نجاح إضراب 1990 الذي بموجبه أصبح كل عامل جديد استوفى المدة القانونية للترسيم داخل المناجم مرسما بفضل نجاعة الإضراب، وكان قد تسبب كما أشرت في خصارة فادحة، ليس فقط نتيجة انعدام استخراج المعادن، بل ايضا نتيجة الترسب الهائل للمياه الجوفية التي ملأت أنفاق 12 و 11 وجزء هام من أنفاق 10 اضطرت معها الشركة إلى اقتناء آليات وعدات تكنولوجية هائلة لضخ تلك المياه التي استمرت عمليتها ثلاثة أشهر وهو ما ضاعف من حجم معانات العمال أيضا نتيجة توقفهم عن العمل مدة نصف سنة تقريبا (مدة الإضراب الذي طال ثلاثة أشهر إضافة إلى مدة ضخ الماء) لكن ومع ذلك كانت بهجة الإنتصار سائدة فلقد تمت الإستجابة لأغلب نقط الملف المطلبي كما تقوت بشكل ملحوظ شوكة العمال، بدا ذلك واضحا من خلال احترام قوانين العمل المنجمية: اولوية إعطاء حرص كبيرعلى سلامة العامل قبل بداية أي عمل داخل الأنفاق، منع العمل داخل الأنفاق المتكدسة بالغازات أو التي توحي عمليا بخطورتها إلى أن يتم إصلاحها او تجهيزها بآلات التهوئة،على المستوى النقابي تعززت وحدة الصف العمالي بالتفاف أغلب العمال حول نقابة الإتحاد المغربي للشغل بقيادة تيار العدل والإحسان كما أشرت سابقا وتعززت هيمنته بالتواجد بقوة داخل اللجن المنظمة للعمل داخل الشركة: لجنة السلامة التي كان يشرف عليها الكاتب العام نفسه، لجنة فض النزاعات، استرجاع مالية الصندوق الأسود والإشراف عليه بعد أن كان في يد خلية من أطر الشركة التي كانت تتلاعب بموارده في استمالة العمال عبر سلفات صغيرة [الصندوق هذا أنشيء أصلا لدعم العمال أثناء الإضراب وكانت موارده تتشكل من بيع قطع الغيار،الأحجار المستخرجة من المنجم والتي تصلح في تهييء الطرقات، وكذلك الموارد المالية المستخلصة من النقل، وسيصبح بعد الإضراب كليا في يد العمال وسيصرف بنسبة مئوية على العمليات الجراحية المكلفة في حالة مرض أحد العمال أو احد افراد أسرته، (اذكر بخصوص هذا الصدد استفادة احد اطر الإتحاد المغربي للشغل بمكناس بتمويل عملية جراحية لأحد افراد أسرته رغم أنه ليس عاملا بالمنجم )كما سيخصص جزء كبير منه في دعم الحركة العمالية] في هذه المرحلة سيتشكل وعي جديد بالنسبة للعمال يتجلى في مراقبة موارد الشركة، بتتبع عملية الإنتاج من جهة وتتبع سعر المنتوجات في الأسواق الدولية، بل إن المكتب النقابي سيتكلف بتوضيحات عامة حول الإنتاج والتسويق أثناء كل لقاء، وهي عمليا لعبة رقمية ستستغلها الشركة بعد ذلك لصالحها بإجبار العمال على مزيد من الكدح المبذول بدون نتائج وسيشكل ذلك بداية سيناريو جديد توج إفلاس الشركة سنة 1993 . ستلجأ الشركة إلى بناء أنفاق غير منتجة تحت عنوان التنقيب على مناجم جديدة، وهي انفاق تكلف الملايين من الدراهم، وستخالف بذلك حتى عملية التنقيب المعروفة، حيث لايبدأ عادة في حفر نفق دون نتائج مخبرية مسبقة فما بالك بحفر نفق كبير مع غياب وجود مجرد خيط معدني رقيق ومتقطع كما في بعض الحالات، وهو ماكان يشكل استنزافا متضاعفا من جهة الشركة، إستنزاف جهد العمال في عملية انتاج فارغة بدون أية قيمة من جهة وإبقاء الأرقام الإنتاجية راكدة مع الرهان على تداولات التسويق في السوق الدولية الشيء الذي حول المكتب النقابي بالتدريج من مدافع عن العمال إلى مدافع عن الأرقام باستدلال أرقام الإنتاج وتحفيز العمال على المزيد من الجهد تحت شعار المصلحة العامة مع تذكيرهم دائما بالخسائر المالية التي نتجت عن الإضراب السابق، فمصلحة العمال تقضي بأن تستمر الشركة، واستمرارها هذا يقضي أن تحصل هي على أرباح، لكن هذه الأرباح لا تأتي رغم الجهد الكبير ورغم استعمال التكنولوجية الجديدة التي أشرت في سابق هذه المقالات إلى دورها حيث قلت بأن الشركة استوردت جرافات صغيرة للأنفاق والتي كنت واحدا من العمال الميكانيك الذين تخصصوا في هذا النوع من الآلات التي تعمل بمحرك كهربائي وبقوة هيدروليكية، كما تمتاز بسهولة تركيبها داخل الأنفاق الضيقة وتضاعف العمل والإنتاج عشرات المرات العمل التقليدي، لكن كان يبدو ومن خلال عملية الأرقام ان كل هذه الطاقة وكل هذا المجهود، كمن يصب الماء في الرمل كما يقال، أضف إلى ذلك ان المكتب النقابي في شقه الإسلامي تحول من شعار « انصر أخاك ظالما أو مظلوما أثناء الإضراب» إلى شعار يؤسلم الشركة ويفتي بالعمل مجانا اثناء أيام الاحاد لإنقاذ الشركة من إفلاس وشيك عند نهاية سنة 1992 بل إن أحد رفاق منظمة إلى الامام بارك الفتوى حفاظا على وحدة الصف ونسي قولته الشهيرة حين كان يلقي خطابا امام العمال قائلا: انظروا إلى ذلك الجبل، ولما نظر العمال، قال: إنه موجود بقده وحجمه وإذا أردتم أيها العمال أن تقولوا أنه غير موجود فهو غير موجود، الحقيقة كل الحقيقة للعمال.والحقيقة ان ماكان يؤطر العمال أثناء الإضراب هي هول تعسف الشركة في حقهم، ورغم ان الكاتب الذي أشرت سابقا انه من العدل والإحسان هو من اخترق القانون في منعه أعمال الصيانة أثناء إضراب 90 كرد فعل على طرد مجموعة من العمال لكي تغمر المياه انفاق المنجم كما سبقت الإشارة، ورغم وحدة الصف التي تأتت للعمال أثناء هذا الإضراب وحجم التضحية فيه، إلا أن الكاتب وعند أي لقاء بالعمال كان ينسب كل هذا النجاح إلى إرادة الله في طمس عقول مفاوضيه، كان يشعر بداخله بندم عميق اتجاه الخسائر التي سببتها المياه ولم يصدق نجاح الإضراب ولا هو تراءى له حجم تضحية العمال بقدر ماكان ينسب ذلك إلى طمس الله وهي إحدى كراماته العجيبة على الطريقة الأفغانية في حرب الجهاد مع الجيش السوفياتي، وربما كانت فتوى العمل أيام الأحاد في نهاية 92 عربون ثواب من الله ومن الشركة، إلا أن أمورا أخرى حدثت في هذه الفترة لم نجد لها تفسيرا مقنعا وإن كان بعضها يتخذ طابعا عقلانيا ونفعيا أيضا رغم مقارنته بطابع خرافي أحيانا اخرى، منها مثلا تحويل عيد ذكرى تاسيس الشركة إلى قداس غريب، اما الطابع العقلاني فيه فهو تحويل الأموال التي تخصص لهذا الإحتفال إلى جيوب العمال، اما الشكل الخرافي فكان ذبح ثور بهذه المناسبة أمام فوهة المنجم اتقاء شر آل جبل عوام من جن سيدنا السلطان الأكحل، الذي بدأت ثورته قاتلة هذه المرة في حق بعض العمال الذين سقطوا بالمنجم أثناء حوادث الشغل، وذكرت بهذا الخصوص عملية حث العمال على مزيد من الجهد التي تؤدي أحيان إلى عملية إرهاق تؤثر في سلامة العمال، وأذكر بالخصوص مصرع عامل صعقه التيار الكهربائي نتيجة تعرية السلك الكهربائي الممتد مع سلالم أحد المنافذ النفقية وهو عمل لايستقيم مع شروط السلامة بطبيعة الحال، وأذكر هنا ايضا حالة المختار وهو إطار منجمي جديد كان تحت ضغط مرؤسيه وامام الخبير الأمريكي (الخبير الذي تحول في عرف العمال بخبير ضفادع) وبأمر منه حاول تحريك صخرة كبيرة لتسقط عليه وتنهي حياته، واذكر ان احد عماله عزاه بتثمين الحادثة، لينصحه آخر بالقول أن المختار كان يعمل عمله فقط ولا يستحق ذلك، كانت علاقة المختار بالعمال وبالشركة علاقة متشنجة، كان العمال يمقتون فيه حرصه على الإشراف على الأعمال بنفسه وهو ما كان يخنق فيهم حرية العمل ويمنعهم من خصوصيتهم الثقافية التي يتعاملون بها فيما بينهم، وكان في نفس الوقت، أو قل كان يقوم بذلك تحت ضغط مرؤوسيه. أما ماكان يشير إلى وجود جن فهي حكايات غريبة وهلوسات كانت تقع بسبب الإرهاق ونتيجة للنوم المفاجيء للعمال داخل الأنفاق،واحدة منها كانت قد حصلت معي وجربت خلالها حظي مع الجن في إثبات وجوده من عدمه، وأخرى وهي أشهرها حصلت لأحد العمال مع كلبه وهو عامل كان ينتمي إلى إحدى النقابات الطفيلية وكان يقطن قرب المنجم، وحدث أن كلبه قد تبعه إلى المنجم دون أن يلاحظ هو ذلك حيث سيأخذه أحد العمال ويدخله متخفيا إلى أعماق المنجم ويتركه في الأنفاق ليتربص رائحة صاحبه حيث سينتظره بعد أن حالت المنافذ السلمية(بضم السين وشد فتحة اللام) في المغاور دون وصوله إلى صاحبه، وسينتظره الكلب عند موضع زاده إلى ان أنهى عمله، ولما خرج من ورشة العمل سيفاجئه كلبه، وستنهار ركبتاه من شدة الفزع بحيث كان يجري من شدة الهلع والكلب يتبعه إلى أن سقط مغميا عليه ليستفيق مستسلما للكلب الذي كان يتمسح اطرافه، ولم يتأكد من أنه كلبه إلا بعد مجيء رفيقه في العمل، أما الحادثة التي حصلت معي فكانت مجرد أثر هلوسات وتخوفات غذتها ثقافة المحكيات الشعبية وأحلام كوابيس النوم في المنجم من قبيل أن أحد العمال أفاقه أحدهم وأمره أن لا يعود مرة أخرى إلى نفس المكان، أو رؤية أحدهم لعنزة تثغوا بالنفق أو امرأة على هياة عيشة قنديشة الخرافية، وما إلى ذلك. كنت قد توجهت إلى الورش 18 بالنفق رقم 10 لإصلاح إحدى الآلات هناك، وكانت شروط السلامة في المنجم أن تصاحب دائما أحد العمال، أي أن لا تدخل وحدك إلى أية ورشة، وهي ورشة بطول 1800 م، وكان علي إصلاحها قبل بدإ العمل، أثناءها وجدت العمال ينتظرون عند فوهة النفق 18 ، طلبت أن يرافقني أحد فرفضوا جميعا، قال أحدهم بأنه سمع صبيا يبكي بالنفق ولما حاول التأكد رأى بطا يسبح بإحدى البرك (حفر مائية نتيجة الأعمال) ظننت باديء الأمر أنها مماطلة منهم لربح الوقت كعادتهم غالبا، حيث يأمرونا بالترغيب أحيانا بالإبطاء في عملية الإصلاح، لكني نبهتهم أن مثل هذه الحكاية سخيفة ولن تدخل مسامع المسؤولين كما شرحت أن الأمر بالنسبة للإصلاح متضمن في العمل الذي سأقوم به وهو معروف عند الشاف ( المشرف علينا في الميكانيك) فتغيير قطعة غيار أو أي إصلاح مهما كان، معروف مدى مايستغرقه من وقت، أكدوا مرة أخرى أنهم يقولون الحق وانهم بالفعل رأوا بطة كما سمعوا صوت صبي،اضطررت أخيرا للذهاب وحدي، في البداية انتابني خوف متناقض، فأنا لا أومن بوجود جن، وفي نفس الوقت لا يمكن تكذيب إجماع العمال، كان واحد منهم تجمعني وإياه علاقة صداقة وثقة، خطوت خطوات مترددة، اشعلت محرك التهوئةالذي يوجد عند فوهة النفق وانطلقت، وبعد مضي مئتي متر، بدأت بالفعل أسمع نغنغة صبي حديث الولادة، تكهربت فرائسي كما أني تحسست وقوف شعري، وانقسمت إلى شخصين، شخص يكذب مسامعي، وآخر يؤكدها، وفي كل مرة يحضر إلى جواب المسؤولين، لن يقبلوا هكذا مبرر: اعترضني جن في النفق 18.
وكان كلما اقتربت أكثر كلما ازدادت قناعتي بكونه صوت الصبي، إلى أن توقفت نهائيا عند بركة البط الذي لم يهتم لوجودي، تذكرت أن الجن لايمكنه أن يكون لامباليا إلى هذا الحد، فاقتربت أكثر لأجد أنه كان مجرد قنينة زيت بلاستيكية يتلاعب بها تيار التهوئة الذي فوق الماء، تفسخت مخاوفي إذن أو قل نصفها على الأقل، لاشك أن صوت الصبي هلوس في عيني جسد بطة تماهت في قنينة زيت بالشكل نفسه الذي هلوست فيه البطة-القنينة مسامعي بصوت يتماهى بكاء طفل وليد، وهو ما كان بالفعل حقيقيا، كان صوت ريح الضغط المستعمل في تحريك أدوات الحفر هو من كان يحدث ذلك الصوت عند ثقب صغير مرمم بالمطاط الذي بضغط الريح عليه كان يحدث ذلك الصوت، الذي يبدو من بعيد كصوت طفل بينما كان يتضح كلما اقتربت منه أكثر.عدت إلى العمال بعد ذلك الإصلاح الطفيف في الآلة لأجدهم يخبرون المشرف عليهم بالأمر كما لو كان حقيقة،نلت منه بعض التوبيخ، لوم اكثر منه توبيخ على الدخول لوحدي، إلى النفق فيما هم قد تشكلوا كلجنة لإنقاذي من الجن او البحث عني، اتضح أن المشرف (كابورال أو كابران بالعامية) قد صدق الحكاية رغم أنها لا تصلح ان يكتبها في تقريره اليومي. كان ثمت الكثير من الحكايات التي حكاها العمال لتأكيد كوارث المنجم، لكن كان يبدوا بجلاء أن أشكال الإرهاق نتيجة الضغوطات في العمل والنوم في انفاق تتسم بجو الإختناق نتيجة الغازات الطبيعية والحرارة المفرطة في المنجم، كانت كلها عوامل كافية لخلق توهيمات قاتلة في العمل. لكنه لم يكن ينتظر أن تصدر في الأمر فتوى تحويل حفلة عمالية إلى قداس ديني.أي أن ينتظر العمال أكثر من أربعين سنة من العمل ومن التضحيات الكبيرة، ليأتي تيار نقابي في آخر المطاف ويقر بوجود جن سيدنا السلطان الأكحل.
يتبع

ليست هناك تعليقات: